سليمان الدخيل
143
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
استهل المأمون في بلاطه عصرا من النقاش المستنير لم يسمع به من قبل ، ذلك أن المأمون كان ليبراليا في الفكر بمثل ما كان كريما في الأخلاق ، ولم يكن يحب شيئا أكثر من أن يجادل العلماء علنا حول أقوى وأدق المسائل الخلافية في الدين - هذه المناقشات التي أجريت عمدا مع الفقهاء وعلماء الدين من جميع المدارس الفكرية قادته إلى الاعتقاد بخلق القرآن ، وذلك على خلاف التعليم التقليدى ، أما أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى به وأنزله ، فهذا ما سلم به بسهولة ، ولكنه لم يستطع ولم يكن لديهم الفكرة الخفية التي تذهب إلى أن القرآن كان كلمة اللّه غير المخلوقة أنزلت من السماء عن طريق جبريل ، وانطلاقا من هذا أعلن المأمون صحة المذهب القائل أن الحياة ليست مقدرة من قبل وأن الإنسان وهب إرادة حرة « 1 » . وكان المأمون مثقفا ثقافة واسعة ، ولقد تأثر بالفكر اليوناني الذي شجع على ترجمة الكثير منه إلى العربية ، لذلك اعتنق مذهب المعتزلة الذي يعتمد على العقل والمنطق ، وقرب المعتزلة إليه مثل أحمد بن أبي دؤاد ، وكان منطقيا راجح العقل وقوى نفوذه في قصر الخلافة « 2 » . حمل المأمون الناس على القول بخلق القرآن ، وناهض القائلين بأن القرآن قديم قدم اللّه تعالى ، ففي سنة 218 ه أمر المأمون عامله على بغداد بأن يمتحن الناس في القول بخلق القرآن ، وأمره بأن يعاقب من يعارض القول بخلق القرآن ، فكتب إليه : « إن من حق اللّه سبحانه وتعالى وأئمة المسلمين على خلفائهم الإجتهاد في إقامة دين اللّه الذي استحفظهم ، ومواريث النبوة التي أورثهم . . وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية ، وسفلة العامة . . ساروا بين اللّه تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين ، وأتفقوا غير متهاجمين على أنه قديم ، أو لم يخلقه اللّه . ويحدثه ويخترعه . . ثم هم الذين جادلوا بالباطل ، فدعوا إلى قولهم ونسبوا أنفسهم إلى أنفسهم إلى السنة . . فاستطالوا بذلك على الناس ، وغروا به
--> ( 1 ) أنتونى ناتنج : العرب 122 . ( 2 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 1 ص 21 .